فلسطين

أزمة الحريديم تهزّ ائتلاف نتنياهو.. كيف اقتربت حكومة الاحتلال من الانهيار قبل الانتخابات؟

 أزمة الحريديم تهزّ ائتلاف نتنياهو.. كيف اقتربت حكومة الاحتلال من الانهيار قبل الانتخابات؟

تحوّلت أزمة تجنيد اليهود الحريديم في جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى أحد أبرز أسباب تفكّك التفاهمات السياسية التي قام عليها ائتلاف بنيامين نتنياهو، بعدما فشلت محاولات التوصّل إلى تسوية تشريعية توفّق بين مطالب الأحزاب الدينية بالإبقاء على إعفاءات طلاب المعاهد الدينية، وضغوط المؤسسة العسكرية والقضاء والقوى السياسية المطالبة بتوسيع التجنيد.


وأدّت الأزمة إلى طرح حلّ الكنيست وتقديم موعد الانتخابات، قبل أن يستقر الموعد النهائي للاقتراع على 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وهو التاريخ الذي كان محدّدًا أصلًا بموجب قانون أساس الكنيست.

وبذلك، فإن الانتخابات التي اعتُبرت خلال الأزمة مبكرة ستُجرى في موعدها القانوني، على الرغم من المسار السياسي والتشريعي الذي كاد يؤدّي إلى إجرائها قبل ذلك التاريخ.

وتعود جذور الخلاف إلى قضية إعفاء طلاب المعاهد الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية، وهي قضية تاريخية ارتبطت بتشكيل حكومات الكيان الإسرائيلي المتعاقبة، لكنها اكتسبت أبعادًا أكثر حدّة بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، واتّساع المواجهات العسكرية إلى جبهات أخرى.

ففي حين طالب الجيش بتأمين أعداد إضافية من الجنود لمواجهة النقص في القوة البشرية، تمسّكت الأحزاب الحريدية باستمرار ترتيبات تأجيل الخدمة لطلاب المعاهد الدينية، معتبرةً أن الدراسة الدينية تمثّل أولوية يجب حمايتها من التجنيد الإلزامي.

وتفاقمت الأزمة عقب قرار المحكمة العليا في الكيان الإسرائيلي، الصادر في 25 حزيران/يونيو 2024، والذي قضى بضرورة الشروع في تجنيد طلاب المعاهد الدينية المشمولين بقانون الخدمة العسكرية، في ظل غياب تشريع يجيز استمرار إعفائهم.

وقرّرت المحكمة أيضًا وقف التمويل الحكومي للمؤسسات الدينية عن الطلاب الملزمين بالخدمة الذين لا يستند إعفاؤهم إلى أساس قانوني، ما وضع حكومة نتنياهو أمام تعارض مباشر بين أحكام القضاء والتزاماتها السياسية تجاه الأحزاب الحريدية.

وفي تموز/يوليو 2025، سحبت أحزاب حريدية رئيسية، بينها «شاس» و«يهودوت هتوراه»، مشاركتها أو دعمها الائتلافي المعتاد، احتجاجًا على عدم إقرار قانون يضمن الإعفاءات المطلوبة.

ورغم استمرار هذه القوى في دعم الحكومة خلال بعض عمليات التصويت المهمّة، ظلّ الخلاف قائمًا، لتعود الأزمة إلى الواجهة خلال عام 2026، خصوصًا مع مطالبة تيارات دينية بتقديم ضمانات تشريعية واضحة قبل الانتخابات.

ووجد نتنياهو نفسه أمام معادلة سياسية معقّدة؛ إذ إن تقديم تنازلات واسعة للحريديم كان سيؤدّي إلى تصاعد الاعتراضات داخل المؤسسة العسكرية وبين الناخبين المطالبين بالمساواة في الخدمة، بينما كان التشدّد في فرض التجنيد يهدّد بفقدان دعم حلفائه الدينيين.

وترافقت الأزمة مع تداعيات الحرب والانقسام بشأن مسؤولية الحكومة عن إخفاقات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ما زاد الضغوط السياسية على نتنياهو.

وصلت الأزمة إلى مرحلة متقدّمة في 20 أيار/مايو 2026، عندما وافق الكنيست، في القراءة التمهيدية، على مشروع قانون لحلّ دورته الخامسة والعشرين، بأغلبية 110 نواب، ومن دون أصوات معارضة أو امتناع عن التصويت.

وفي الثاني من حزيران/يونيو، أقرّ الكنيست المشروع في القراءة الأولى بأغلبية 106 نواب، مع اقتراح إجراء الانتخابات بين 8 أيلول/سبتمبر و20 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أي قبل الموعد القانوني الأصلي.

وبعد أسابيع من النقاشات، أعلن رئيس الائتلاف البرلماني، أوفير كاتس، في 12 تموز/يوليو، الإبقاء على 27 تشرين الأول/أكتوبر موعدًا للانتخابات، منهيًا الغموض بشأن تقديم موعد الاقتراع.

ولا تنحصر أهمية الملف في أعداد المجنّدين، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين الدين والدولة، وتوزيع الأعباء العسكرية والاقتصادية، وحدود نفوذ الأحزاب الدينية في تشكيل الحكومات.

وخلال مناقشات لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، في 20 أيار/مايو 2026، كشف مسؤولون عسكريون أن الجيش يعاني نقصًا يُقدّر بنحو 12 ألف جندي، بينهم ما بين 6 آلاف و7500 مقاتل، ما عزّز مطالب توسيع التجنيد.

وفي المقابل، سعت الأحزاب الحريدية إلى حماية طلاب المعاهد الدينية من التجنيد الإلزامي على نطاق واسع، معارضةً الإجراءات العقابية بحق الممتنعين عن التجنيد.

وأصبحت القضية نقطة خلاف رئيسية بين القوى الانتخابية، إذ يرفع آيزنكوت وبينيت وليبرمان، بدرجات متفاوتة، شعار توسيع المشاركة في الخدمة العسكرية، بينما يواصل نتنياهو محاولة الحفاظ على تحالفاته مع القوى الدينية، من دون خسارة التأييد داخل قاعدته اليمينية.

وعليه، تكشف أزمة التجنيد عن انقسام يتجاوز شخص نتنياهو، ليطال هوية الدولة وتوزيع واجبات المواطنة وموقع المؤسسة الدينية في السلطة. كما تشير إلى أن نتائج الانتخابات لن تنهي الخلاف تلقائيًا، لأن أي حكومة مقبلة ستواجه الحاجة إلى صياغة تسوية جديدة بين متطلّبات الجيش ومواقف الأحزاب السياسية والدينية.