
الانتخابات الإسرائيلية.. ملفات حاسمة تحدد مستقبل البلاد

يتوجه الناخبون الإسرائيليون، منذ صباح اليوم الثلاثاء، إلى صناديق الاقتراع للبت في انتخابات برلمانية تتقاطع فيها ملفات مصيرية عدة، تتصدرها المساءلة عن هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وإعادة تعريف الاستراتيجية الأمنية، والجدل حول تجنيد المتدينين الحريديم، إلى جانب أزمة غلاء المعيشة.
وفي مقدمة هذه الملفات يقف ملف المساءلة عن الهجوم غير المسبوق الذي شنته حماس من غزة على إسرائيل، والذي أسفر عن مقتل 1221 مستوطناً، وأحدث ضربة كبيرة ما زالت تداعياتها حاضرة في المشهد السياسي والمجتمعي.
وتطالب أحزاب المعارضة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة على غرار لجان شُكلت عقب أزمات اسرائيلية سابقة، وتعهدت بجعل ذلك أولويتها القصوى عند وصولها إلى السلطة.
في المقابل، ترفض حكومة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، هذا التوجه، وتحمّل المؤسسة الأمنية مسؤولية الإخفاق، وتقترح بدلاً من ذلك لجنة تحقيق مشتركة يعيّن السياسيون أعضاءها، وهو ما اعتبره زعيم المعارضة، يائير لابيد، محاولة لتبرئة المسؤولين ومنع تحقيق حقيقي في أكبر كارثة أصابت الشعب اليهودي منذ سنين.
ويواجه نتنياهو كذلك تساؤلات متزايدة حول علاقات حكومته السابقة بقطر، التي تُعد داعماً مالياً رئيسيا لحماس، إذ أرسلت الدوحة على مدى سنوات مئات ملايين الدولارات إلى غزة بموافقة إسرائيلية، في سياسة يرى منتقدوها أنها رسّخت حكم الحركة قبل الهجوم.
أما الملف الثاني فيتعلق بالاستراتيجية الأمنية، فقد قامت العقيدة الإسرائيلية لعقود على ثلاثة أعمدة: التفوق الاستخباري، والردع، وخوض حروب قصيرة، لكن هذا النموذج تبدّل بعد هجوم 2023، إذ دخلت الحكومة في حملات عسكرية طويلة الأمد، فلا تزال تحتل أجزاء واسعة من غزة بعد أكثر من عامين على بدء الحرب، فضلاً عن احتلالها مناطق واسعة في جنوب لبنان بعد حربين ضد حزب الله، وتقدمها إلى مناطق في سوريا بعد سقوط حكم بشار الأسد مع إعلان نيتها البقاء فيها، وتنفيذها عمليات متتالية في الضفة الغربية المحتلة، وشنّها ضربات ضد انصار الله في اليمن، وحربها مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة.
وتثير هذه العقيدة الجديدة تساؤلات داخل إسرائيل حول قدرة الجيش على الإبقاء على قواته في حالة تعبئة على جبهات عدة في آن واحد، خاصة مع استدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط مرات عدة بتكاليف عائلية ومهنية باهظة، وتحذيرات القادة العسكريين المتكررة من نقص في عدد أفراد الجيش.
ويرى الباحث عوفر شيلاح، من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن إسرائيل انتقلت من سياسة قائمة على الردع والازدهار بين الحروب إلى مجتمع يعيش في حالة حرب واستنفار دائمين.
وقد انعكست هذه الحملات سلباً على سمعة إسرائيل، مع تجاوز عدد الشهداء في غزة 73800، واستشهاد الآلاف في لبنان وإيران، وتكثيف العمليات في الضفة الغربية، حيث اتهمت لجنة تحقيق دولية مكلّفة من الأمم المتحدة إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين، من بينها الإبادة، وحذّرت المنظمة الدولية من أن العملية الجارية في الخليل تثير مخاوف جدية من تطهير عرقي.
ويحتل ملف الدين والهوية والتجنيد الإجباري موقعاً محورياً في هذه الانتخابات، فمع النقص في عديد الجيش، تحوّل الجدل حول إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية إلى نقاش أوسع حول هوية إسرائيل وطبيعة الدولة.
وتسعى الأحزاب المتشددة دينياً إلى الإبقاء على الإعفاءات التي تتيح لطلاب المعاهد الدينية عدم أداء الخدمة، بدعم من حزب الليكود بزعامة نتنياهو وشركائه في الائتلاف من أحزاب اليمين المتطرف، فيما تؤيد معظم أحزاب المعارضة وضع حد لهذه الإعفاءات وأعلنت رفضها المشاركة في أي حكومة تضم أحزابا حريدية.
ولا يقتصر الخلاف على التجنيد، فقد طرحت الحكومة المنتهية ولايتها قبل أيام من حل الكنيست إجراءات تشجع على الفصل بين الجنسين في بعض الأماكن العامة، وأقرت تشريعاً يؤكد أهمية دراسة التوراة، وهي سياسات يراها مؤيدوها معززة للطابع اليهودي لإسرائيل، بينما يعتبرها منتقدوها دفعاً نحو تعزيز النفوذ الديني في الحياة العامة دون أن تعكس آراء غالبية السكان.
ويشكل الاقتصاد مصدر قلق رئيسي لناخبين كثر، فرغم النمو القوي الذي تضاعف معه الناتج المحلي الإجمالي أكثر من مرتين منذ عام 2000، وبقاء معدل البطالة عند مستويات منخفضة تاريخيا، لا يزال الإسرائيليون يواجهون واحدة من أعلى تكاليف المعيشة في العالم.
وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن إسرائيل من بين أغلى ثلاث دول في كلفة الحاجات الأساسية اليومية، لا سيما الغذاء والسكن، في وقت يظل فيه متوسط الأجور أدنى من متوسط دول المنظمة، ما يضاعف الضغوط المعيشية على الأسر.
ويعزو خبراء الاقتصاد ارتفاع الأسعار إلى مشكلات هيكلية مزمنة، من بينها نقص المساكن والقيود التجارية وضعف المنافسة في قطاعات رئيسية، فيما أضافت الحروب تحدياً جديداً، إذ تضاعفت ميزانية الدفاع منذ عام 2023، ما زاد الضغوط على المالية العامة وجعل الموازنة بين الإنفاق الأمني والحاجات الداخلية تحديا حقيقيا.




