لبنان

مفاوضات تامبا أمام اختبار جديد.. خلاف لبناني إسرائيلي حول آلية التحقق وتزامن الانسحاب

مفاوضات تامبا أمام اختبار جديد.. خلاف لبناني إسرائيلي حول آلية التحقق وتزامن الانسحاب

تواجه المفاوضات العسكرية المرتقبة بين السلطة اللبنانية وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة في مدينة تامبا الأميركية، تحديات جديدة تتعلق بآليات تنفيذ الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، وسط خلافات بشأن الجهة المسؤولة عن التحقق من الالتزامات المتبادلة، وتزامن الانسحاب الإسرائيلي مع انتشار الجيش اللبناني، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إعادة تحريك المسار التفاوضي المتعثر.


وتشير تقارير إعلامية إلى أن الاجتماعات يُفترض أن تُعقد في 20 و22 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، في مقر القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بولاية فلوريدا، من دون صدور تأكيد رسمي نهائي لموعد انعقادها، وسط معلومات عن احتمال تأجيلها لحسابات مرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر.

وتتمحور العقدة الأساسية حول مطالبة إسرائيل بإنشاء غرفة عمليات مباشرة مع الجيش اللبناني، تتولى التحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية في المناطق التي يُفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية، مع استمرار عمل هذه الغرفة حتى بعد استكمال انتشار الجيش اللبناني فيها.

وتفيد المعلومات المتداولة بأن الجانب الإسرائيلي يطالب بضمانات أمنية إضافية، تتيح له مراقبة تنفيذ الإجراءات المتعلقة بإزالة المنشآت العسكرية والأسلحة التابعة لجهات غير حكومية، والتحقق من عدم عودة حزب الله إلى المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.

في المقابل، يتمسك لبنان بأن تكون آلية التحقق جزءاً من ترتيبات متبادلة، تشمل الانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية وانتشار الجيش اللبناني، من دون استحداث آليات تنسيق مباشر ودائم مع إسرائيل، أو منحها صلاحيات تتعلق بمراقبة الإجراءات الأمنية داخل الأراضي اللبنانية. وتشمل المطالب اللبنانية أيضاً إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين، ومعالجة النقاط المختلف عليها على الخط الأزرق، وتأمين الظروف المناسبة لإعادة إعمار المناطق التي دمرتها اسرائيل.

ويجري تداول مقترحات لتشكيل لجنة دولية متعددة الأطراف، تعمل تحت إشراف أميركي وتتولى مراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية جنوب نهر الليطاني.

وتشمل التصورات المطروحة احتمال مشاركة دول أوروبية وإقليمية، من بينها إيطاليا وألمانيا وبريطانيا والأردن وسويسرا، في أعمال اللجنة المقترحة، من دون الإعلان عن اتفاق نهائي بشأن تشكيلها أو تحديد صلاحياتها.

وقد تشكل هذه الصيغة مخرجاً للخلاف حول غرفة العمليات المباشرة، إذا جرى التوافق على آلية مستقلة لمراقبة التزامات الطرفين، تكون مهامها محددة زمنياً ومرتبطة بتنفيذ الاتفاق.

وتشير معلومات دبلوماسية إلى أن الولايات المتحدة تتفهم التحفظات اللبنانية على المطالب الإسرائيلية، لكنها لم تتوصل بعد إلى صيغة توافقية بشأن طبيعة آلية التحقق وصلاحياتها، في ظل استمرار الخلاف حول ترتيب الخطوات التنفيذية والضمانات المطلوبة من الجانبين.

وتأتي الاجتماعات المرتقبة في إطار التحرك الأميركي لإعادة تنشيط المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، بعد تعثر تنفيذ الترتيبات الأمنية التي جرى بحثها خلال الجولات السابقة، وآخرها الاجتماعات التي استضافتها العاصمة الإيطالية روما في السادس من آب/أغسطس الماضي.

ويعكس اختيار مقر القيادة المركزية الأميركية في تامبا توجهاً نحو نقل النقاشات من الأطر السياسية والأمنية العامة إلى التفاصيل العسكرية والميدانية المتعلقة بتنفيذ الاتفاقات، بما يشمل تحديد مناطق الانسحاب الإسرائيلي، وتوقيت انتشار الجيش اللبناني، وإجراءات مراقبة الالتزامات المتبادلة.

وكان الاتفاق الإطاري الذي رعته الولايات المتحدة في 26 حزيران/يونيو الماضي قد وضع، وفق تقارير إعلامية، تصوراً لتنفيذ انسحابات إسرائيلية من مناطق محددة، يتبعها انتشار الجيش اللبناني وتوليه المسؤولية الأمنية فيها، تمهيداً لتوسيع التجربة إلى مناطق أخرى.

غير أن تطبيق المرحلة الأولى تعثر بسبب رفض اسرائيل تنفيذ الانسحابات. ففي منطقة زوطر الغربية بقضاء النبطية، شهدت الترتيبات انسحاباً إسرائيلياً جزئياً، أعقبه انتشار للجيش اللبناني وعودة محدودة للسكان، فيما استمر الوجود الإسرائيلي في أجزاء من المنطقة ومحيطها.

كما شملت الإجراءات تعزيز انتشار الجيش اللبناني في منطقتي فرون وصريفا، من دون أن يؤدي ذلك إلى إطلاق مرحلة ثانية واسعة من الانسحابات الإسرائيلية.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وأعمال التجريف في محيط بعض المناطق التي شهدت انتشاراً للجيش اللبناني أضعف النتائج الميدانية للتجربة، وأثار تساؤلات بشأن إمكانية توسيعها في ظل استمرار الخروقات الاسرائيلية.

ويتزامن كل ذلك مع اقتراب انتهاء ولاية قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2026، وما يرافق ذلك من تساؤلات بشأن مستقبل مراقبة الأوضاع الأمنية على طول الخط الأزرق.

ويأتي التحرك الأوروبي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، من خلال مهمة تركز على التدريب وتقديم المشورة وبناء القدرات، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز إمكانات المؤسسات الأمنية اللبنانية.

غير أن المهمة الأوروبية، وفق طبيعتها المعلنة، لا تشكل بديلاً مباشراً عن اليونيفيل، ولا تتولى تلقائياً مسؤولية مراقبة تنفيذ التفاهمات الأمنية بين لبنان وإسرائيل.

وبذلك، تتقاطع المناقشات المتعلقة بمرحلة ما بعد اليونيفيل مع المفاوضات حول آلية التحقق، رغم اختلاف طبيعة المهمتين وصلاحياتهما، في وقت تسعى فيه الأطراف المعنية إلى تحديد الأطر الأمنية التي ستنظم الوضع في جنوب لبنان خلال المرحلة المقبلة.