
فوق مرتفعات علي الطاهر، تستطيع القوات الإسرائيلية أن تقول إنها تراقب في الليل والنهار التلال والأشجار والممرات، وإنها تسيطر بالنار على مداخل ومخارج الحرج فوق الجبل. لكن تحت صخور الجبل، بقيت الصورة مختلفة. منشأة تكتيكية تابعة للمقاومة الإسلامية، قادرة على الصمود في أقسى ظروف الحرب، تحولت خلال أكثر من شهرين إلى هدف يستهلك اسرائيل ومعها نخبة القنابل الاميركية الخارقة للتحصينات، من دون أن تتمكن القوات الإسرائيلية من إعلان الوصول إلى أبوابها.
بدأت اسرائيل هجومها الكبير على تلة علي الطاهر بوصفها عملية عسكرية سريعة للسيطرة على أحد أهم المواقع المشرفة على النبطية ويتحكم بالنظر والنار في الطرق المؤدية إلى المدينة وتلالها، وبالممرات التي تربط جنوب الليطاني بالعمق الشمالي.
لهذا دفع الجيش الإسرائيلي بقوات الفرقة 36 وألوية النخبة لديه، مع إسناد جوي ومدرع وهندسي بهدف التسويق لإنجاز استعصى على اسرائيل، ووصم جيشها بالفشل.
ووفق الرواية الإسرائيلية، تمكنت القوات خلال منتصف حزيران من احتلال أجزاء واسعة من المرتفعات والوصول إلى عدد من فتحات المنشأة.
كان الاعتقاد الأول أن تطويق الفتحات سيقود سريعاً إلى اقتحام المنشأة أو إجبار الموجودين فيها على الاستسلام. إلا أن الأسابيع التالية كشفت أن السيطرة على سطح الجبل لا تعني السيطرة على ما تحته.
وحتى يبرر الجيش الاسرائيلي عجزه، يقول إن المقاومة متحصنة في منشأة حُفرت في طبقات صخرية عميقة خلال سنوات طويلة، وضمت مراكز قيادة واتصال، وأماكن إقامة، وربما غرفاً لمعالجة الجرحى ومخازن تسمح بالبقاء فترة طويلة تحت القصف. وهذا التضخيم في وصف المنشأة يفسر ضخامة الحشد الاسرائيلي الأكبر في تاريخ حروبها من أجل هدف واحد لا تتجاوز مساحته 1 كلم مربع.
ومع تعذر الاقتحام المباشر لأسباب كثيرة منها ارتفاع كلفته، انتقل الجيش الاسرائيلي من محاولة الوصول الى الأبواب إلى سياسة الحصار الخانق. الطائرات المسيّرة تراقب المخارج طوال الوقت، والطيران الحربي يقصف المسالك والممرات المشتبه بها، والغارات تضرب الجبل بلا توقف، والمدفعية تمشط الاحراج والوديان، وقوات الهندسة تدمر المنازل والطرقات القريبة من التلة بهدف قطع خطوط الإمداد. ما تقوم به اسرائيل هي حرب ضروس ضد نقطة للمقاومة من ضمن نقاط كثيرة أكثر تجهيزا وتحصينا.
وهكذا تحولت العملية الاسرائيلية من هجوم محسوب بالساعات والأيام إلى انتظار طويل عند أبواب الصخر. القوات الإسرائيلية موجودة فوق المنشأة وحولها، لكنها تتحاشى التوغل في متاهة تعرف أن المرابطين في داخلها أقدر على استخدامها، وأي مواجهات فوق التلة قد تتحول إلى حرب إقليمية.
في هذه المسافة القصيرة بين فوهة النفق وقلب المنشأة، بدأت كلفة الاستنزاف بالظهور. فقد أفاد تحقيق لـ"يديعوت أحرونوت" بأن المعارك المرتبطة بعلي الطاهر ومحاولات الإمداد والخروج والهجمات بالمسيّرات أوقعت خمسة قتلى و21 جريحاً في صفوف الجيش الإسرائيلي.
وفي ليلة 26–27 آب/أغسطس أطلقت المقاومة مسيّرتان مفخختان نحو القوات الاسرائيلية المتقدمة في تلة علي الطاهر. لم تكسر الحصار، لكنهما أكدتا أن القوات التي تفرض الحصار ما زالت هي أيضاً تحت الضغط والاستهداف.
حتى عدد الموجودين في المنشأة بقي موضع تخمين متبدل. بدأت التقديرات الإسرائيلية بنحو ثلاثين، ثم تراوحت بين عشرين وأربعين، قبل أن تتحدث التقارير في 27 آب عن نحو خمسة عشر فقط، مع احتمال وفاة بعضهم أو تمكن آخرين من الانسحاب قبل إحكام الحصار. هذا التباين لا يكشف مصير المقاتلين بقدر ما يكشف حدود المعرفة الإسرائيلية بما يجري في الأعماق.
تحاول الرواية الإسرائيلية تقديم البطء باعتباره خياراً مدروساً. الجيش قادر على الحسم، لكنه يفضّل الصبر لتجنب الخسائر والتصعيد مع إيران. إلا أن الوقائع المعلنة تروي جانباً آخر أيضاً. فمن يملك السيطرة الكاملة لا يحتاج إلى حصار يمتد أكثر من عشرة أسابيع، ولا إلى هذا التعاقب من وحدات النخبة والهندسة والطيران والمدرعات.
لقد استطاعت إسرائيل بعد شهرين من استغلالها لوقف إطلاق النار الوصول إلى الجبل، وتدمير أجزاء من بنيته العلوية، وحصار معظم الطرق والفتحات المعروفة المؤدية إلى المنشأة. لكنها حتى الآن تبدو عاجزة عن حسم المعركة. وبين إعلان السيطرة فوق الأرض والعجز عن مواجهة المقاومة تحتها، ستبقى منشأة علي الطاهر بوصفها عقدة ميدانية نادرة. جيشٌ بكامل تفوقه الناري يحاصر نقطة صغيرة، فيما يبقى الهدف الحقيقي، في جوف الصخر، بعيداً عنه بضعة أمتار تبدو حتى الآن أشبه بمسافة مستحيلة.