Unews من داخل مدرسة "الشجرة الطيبة".. شهادات دامية من مجزرة أطفال ميناب

في أقصى الجنوب الإيراني، وعلى مقربة من مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، تقع مدينة ميناب؛ المدينة الهادئة المعروفة بأهلها ووحدتها الاجتماعية والإسلامية الجامعة بين الشيعة واالسنة، وبحضورها الوطني في الدفاع عن إيران وسيادتها وهويتها.

وفي قلب هذه المدينة، كانت تقف مدرسة “الشجرة الطيبة” كواحدة من أبرز المؤسسات التربوية والثقافية في المنطقة، قبل أن تتحول إلى مسرح لإحدى أبشع المجازر التي شهدتها إيران والعالم في العصر الحديث، إثر عدوان أميركي ـ إسرائيلي استهدفها بشكل مباشر.


وفي صباح السبت 28 شباط/فبراير 2026، الموافق 9 اسفند 1404 هجري شمسي، دوّت انفجارات عنيفة في مدينة ميناب بعدما شنّت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي عدواناً استهدف مناطق متعددة في إيران.

لكنّ الجريمة الأشد وقعاً تمثلت في استهداف مدرسة “الشجرة الطيبة”، حيث أصابت الصواريخ مبنى المدرسة مباشرة، فتحولت ساحات العلم إلى ساحات دم، ودفاتر الأطفال إلى أكفان صغيرة مضرجة بالتراب والرماد.

وكانت المدرسة تضم قسماً مستقلاً للفتيات وآخر للفتيان، ولكل قسم مدخله وساحته ومرافقه الخاصة، ضمن مبنى مؤلف من طابقين.

وعُرفت المدرسة على مدى سنوات بتميزها التربوي والأخلاقي، ودورها في تحفيظ القرآن الكريم، وتنمية شخصية التلاميذ، وتعزيز الثقة بالنفس، وغرس روح الالتزام والانتماء والقيم الإسلامية والوطنية في نفوس الأطفال.

وبحسب المعطيات الميدانية، فإن عدداً كبيراً من الأطفال الذين استشهدوا في المجزرة كانوا من حفظة القرآن الكريم أو من المشاركين في الأنشطة الثقافية والدينية داخل المدرسة.

كما استشهد عدد من المعلمات اللواتي بقين إلى جانب الأطفال حتى اللحظات الأخيرة، بعدما عرفن بجهودهن الكبيرة في التربية والتعليم وصناعة جيل مؤمن ومتعلم وواعٍ.

وقام فريق “يونيوز” بزيارة ميدانية لموقع العدوان، حيث زار المدرسة واطلع على حجم الدمار، وتحدث مع شهود من الأهالي والمعلمين وذوي الضحايا، موثقاً شهاداتهم وانطباعاتهم حول ما جرى.

وجاءت المجزرة في شهر رمضان المبارك، في وقت كانت العائلات تستعد فيه لاستقبال الشهر الكريم بأجواء روحانية، فيما كانت كثير من الفتيات اللواتي استشهدن قد بلغن سن التكليف الشرعي، ويعشن فرحة الصيام الأول، بينما كانت الأمهات يهيئن لهن وجبات الإفطار ويستعدن لهذه المرحلة الإيمانية الجديدة من العمر، إلا أن تلك الأحلام انتهت تحت النيران قبل أن تكتمل.

ولم يكن ما جرى مجرد ضربة عسكرية، بل هجوماً مركباً اتبع أسلوب “الضربة المزدوجة” أو “Double Tap Strike”، وهو نمط من الهجمات يقوم على تنفيذ ضربة أولى، ثم انتظار تجمع المدنيين وفرق الإنقاذ والمسعفين والأهالي، قبل تنفيذ ضربة ثانية بعد دقائق بهدف إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا.

وهذا ما حدث في مدرسة “الشجرة الطيبة”، إذ هرعت المعلمات والأهالي وسكان المنطقة وفرق الإسعاف إلى المدرسة عقب الضربة الأولى لإنقاذ الأطفال وإخراج الجرحى من تحت الأنقاض، قبل أن تعاود الصواريخ استهداف المكان بعنف أشد، فتحولت المنطقة بأكملها إلى جحيم مفتوح.

وبحسب الروايات الميدانية لمن وصلوا إلى المدرسة في اللحظات الأولى، فإن المشهد تجاوز قدرة البشر على الاحتمال، مع تناثر أشلاء الأطفال في المكان، وحقائب مدرسية ملطخة بالدم، وأطراف صغيرة مبتورة تحت الأنقاض، وجثامين يصعب التعرف إليها بسبب شدة الانفجار.

وتحدث شهود عن تطاير أشلاء لمسافات قاربت 100 متر من موقع المدرسة، فيما أمضت بعض العائلات ساعات طويلة تبحث بين الركام عن بقايا أبنائها.

ومن أكثر القصص إيلاماً في هذه المجزرة، قصة الطفل الذي لم يُعثر له على أي أثر سوى حذائه، الذي وُجد عالقاً على شجرة بعيدة عن المدرسة بفعل قوة الانفجار، في مشهد تحول إلى رمز للألم الإنساني الذي خلفته الجريمة.

وأسفر العدوان عن استشهاد 168 طفلاً وطفلة، إضافة إلى عدد من المعلمات والأهالي الذين سقطوا أثناء محاولات الإنقاذ والإسعاف.

وكانت الغالبية العظمى من الضحايا من الأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين 7 و12 عاماً، وهي أعمار لا تعرف من الدنيا سوى المدرسة واللعب والقرآن والأحلام البسيطة.

ودُمّر الجزء الأكبر من مبنى المدرسة بالكامل، فيما لم يبق قائماً سوى جزء محدود من الهيكل العام، وتحولت الساحات والملاعب إلى كتل من الركام والحفر وآثار الحريق.

وأشارت تقارير وتحليلات متعددة إلى استخدام صواريخ أميركية عالية الدقة وشديدة الانفجار، من بينها صواريخ “توماهوك”، ما يفسر حجم الدمار الهائل والخسائر البشرية الكبيرة، لا سيما مع الاستهداف المباشر للمبنى المدرسي أثناء الدوام الرسمي.

ورغم هول الفاجعة، أكدت مدينة ميناب تماسكها، حيث وقف أهالي المدينة من الشيعة وأهل السنة صفاً واحداً في تشييع الأطفال الشهداء، في مشهد جسّد وحدة المجتمع الإيراني وتلاحمه الوطني والإسلامي.

ورُفعت خلال التشييع صور الأطفال والمصاحف والأعلام الإيرانية، فيما اختلطت دموع الأمهات بهتافات الغضب والكرامة والوفاء.

وأثبتت المجزرة، وفق الأهالي والشهود، أن استهداف الأطفال لا يمكن أن يضعف الشعوب، بل يزيدها تمسكاً بحقها وسيادتها وكرامتها، فيما تحولت دماء الأطفال إلى شاهد على وحشية العدوان، ودافع لمواصلة الصمود والمطالبة بمحاسبة كل من شارك أو خطط أو نفذ هذه الجريمة.

وباتت مجزرة “الشجرة الطيبة” جرحاً إنسانياً مفتوحاً في ذاكرة المنطقة، بعدما استهدفت الطفولة والقرآن والعلم والأمان، في واحدة من أكثر الهجمات دموية بحق المدنيين والأطفال.

وستبقى مدينة ميناب، رغم الألم، رمزاً للصبر والتضحيات، فيما ستظل أسماء أطفال “الشجرة الطيبة” محفورة في وجدان الإيرانيين والأحرار، شاهدة على أن الدم المظلوم لا يضيع، وأن الشعوب القادرة على حماية كرامتها تستطيع النهوض من تحت الركام أكثر قوة وإيماناً وثباتاً.

تم نسخ رابط الخبر