
أوقف جيش الاحتلال الإسرائيلي هجومه على محور وادي زوطر بعد نحو 10 أيام من المحاولات المكثفة لتقدم رمزي نحو الضفة الشمالية لنهر الليطاني، في إطار معركة وُصفت بأنها من أعقد المواجهات البرية في القطاع الشرقي من جنوب لبنان، زج فيها الجيش نخبة النخبة من قواته التي أخفقت في تثبيت موطئ قدم لها عند حافة النهر، قبل أن يتراجع الى الوراء لانقاذ جنوده من حرب استنزاف تخوضها المقاومة، وتمنعه من البقاء الآمن في جنوب نهر الليطاني.
وتؤكد المعلومات الميدانية أن الجيش الإسرائيلي استخدم خلال مواجهات وادي زوطر الأخيرة اسلوب الأرض المحروقة، وتمكن بالفعل من إحداث دمار واسع بغاراته الجوية الكثيفة على القرى والمناطق الواقعة على “كتف وادي الحجير” و”كتف وادي الليطاني”، لكن حضور المقاومة في الميدان أدى الى اخفاقه في تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في تأمين عبور ثابت نحو شمال الليطاني أو فرض سيطرة مستقرة على زوطر وقعقعية الجسر.
وكانت المقاومة رصدت في 4 أيار عملية تقدم كبيرة للجيش الاسرائيلي انطلاقا من وادي دير سريان الحدودية، نحو بلدة زوطر الشرقية تحت غطاء جوي كثيف، وعندما وصلت القوات إلى مدى النيران المباشرة لنقطة تأمين متقدمة للمقاومة، تعرضت لاطلق نار مباشر، وخاضت المقاومة معها اشتباكًا عنيفًا من مسافة صفر باستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، محققين إصابات مؤكدة في صفوفها.
وقالت معلومات الإعلام الحربي في المقاومة أن قوات الاحتلال سارعت بعد الاشتباك إلى تنفيذ تغطية نارية لتأمين سحب القوة وإخلاء الإصابات، مع الدفع بعدد من الآليات نحو منطقة المواجهة، ما دفع سلاح المدفعية في المقاومة إلى استهداف قوة الإخلاء بقذائف المدفعية والأسلحة الصاروخية المناسبة.
ومنعت عمليات المقاومة الجيش الاسرائيلي طوال 10 ايام من التقدم الى أطراف زوطر الشرقية عند النهر، وقصفت قواته والياته بالصواريخ والمدفعية والمسيرات الانقضاضية والاشتباكات المباشرة، مما اضطره الى التراجع عن مجرى النهر.
وانسحب الجيش الإسرائيلي يوم الأحد الماضي من وادي زوطر بعد تصوير مجموعة من جنوده يقفون على جسر من الحجارة فوق النهر مقابل استراحة مهجورة عند الأطراف المتصلة بنهر الليطاني، وظهر في الفيديو دبابة وصلت الى المكان عبر طرق التفافية شقتها جرفات وسط مظلات من أغصان السنديان المتشابكة الحاجبة للرؤية. كما وزع مشاهد لأعمال هندسية قال أنه قام بها عند النهر لتسهيل انتقال قواته الى الضفة الشمالية.
وتشير المعطيات العسكرية إلى أن معركة “عقدة الليطاني – الحجير” تحولت إلى معركة استنزاف مفتوحة، تراهن فيها إسرائيل على التفوق الناري والتقدم البطيء، بينما تراهن المقاومة على الجغرافيا والكمائن واستنزاف القوات المهاجمة بشرياً وميدانياً، في ظل قناعة متزايدة بأن التقدم الجغرافي المؤقت لا يعني القدرة على التثبيت والبقاء الآمن داخل هذا القطاع المعقد من جنوب لبنان.
وبحسب المعطيات الميدانية، دفعت الفرقة 36، التي تُعد ثاني أكبر الفرق العسكرية في الجيش الإسرائيلي، بوحدات نخبوية إلى هذا المحور، بينها كتيبة الاستطلاع 631 “سييريت غولاني” وكتيبة الهندسة القتالية 7086 “ألون” التابعة للواء غولاني، إضافة إلى وحدات الإسناد والإخلاء التابعة للوحدة 669، في محاولة لتنفيذ عمليات تسلل واستطلاع وهندسة عسكرية مشتركة.
وقالت الوقائع الميدانية أن تصدي المقاومة أجبر الجيش الإسرائيلي على غيّر تكتيكاته في الوصول الى مجرى نهر الليطاني، وانتقل من أسلوب الأرتال المدرعة إلى التسلل الصامت، والاعتماد على فرق المشاة الخاصة والقوات الراجلة والآليات الخفيفة، في محاولة لتفادي تكرار خسائره في هذه المنطقة.
وتبعد المنطقة التي تسللت اليها القوة الاسرائيلية نحو 4 كلم فقط عن الحدود اللبنانية، ويحاول الجيش الاسرائيلي عبور هذه المسافة منذ ٢ أذار الماضي، واستخدم في المواجهات الأخيرة للاقتراب من وادي زوطر كثافة نارية من الطائرات الحربية والمسيرة والمدفعية، وعمليات قصف مركزة على البلدات الواقعة على الكتف الشمالي لنهر الليطاني.
وبحسب المعطيات الميدانية المتوفرة، كان الهدف الرئيسي للفرقة 36 الوصول إلى مجرى الليطاني وفرض واقع ميداني جديد عبر السيطرة على الضفة الجنوبية للنهر وعزل جنوب الليطاني عن شماله، بما يؤدي إلى تقطيع أوصال جبهة الجنوب وفصل القطاعين الشرقي والغربي، إضافة إلى محاولة تطويق وادي الحجير وإسقاطه عسكرياً عبر السيطرة على المرتفعات الحاكمة في زوطر وقعقعية الجسر.
ووفق المعلومات، فإن القوات الإسرائيلية حاولت خلال الأيام العشرة تنفيذ تقدم تدريجي انطلاقاً من الطيبة والقنطرة وأطراف دير سريان باتجاه زوطر الشرقية والغربية، مع تركيز خاص على المحور الممتد من دير سريان إلى خلة الراج على الأطراف الجنوبية لزوطر الشرقية، غير أن المقاومة واجهت تلك المحاولات عبر كمائن متحركة واستهدافات دقيقة حالت دون تثبيت أي تمركز دائم للقوات المتقدمة.
كما سعت القوات الإسرائيلية إلى إنشاء “رأس جسر” في شمال الليطاني يتيح لها تثبيت حضور ميداني دائم وإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع عن مستوطنات الشمال، فضلاً عن تأمين خطوط إمداد عسكرية تمتد من الطيبة نحو القعقعية وزوطر.
وطوال فترة المواجهات، استدرجت المقاومة، القوات المهاجمة إلى مناطق منخفضة، مع توظيف تضاريس الأرض والأودية والانحدارات القاسية، إلى جانب المدفعية والمسيّرات والأسلحة الصاروخية، ما أجبر القوات الإسرائيلية على التراجع والانكفاء بعد سلسلة اشتباكات عنيفة استمرت أكثر من أسبوع.
وتُعد منطقة وادي زوطر من أكثر النقاط حساسية جغرافياً وعسكرياً في القطاع الشرقي، إذ تشكل مع قعقعية الجسر ووادي الحجير ما يُعرف عسكرياً بـ”عقدة الليطاني – الحجير”، وهي منطقة ذات تضاريس معقدة من جبال وأودية وممرات إجبارية ضيقة تجعل أي تقدم بري مكلفاً للغاية. كما تمنح المرتفعات الشمالية في زوطر الشرقية والغربية أفضلية نارية ورصدية للقوات المدافعة، إذ تشرف مباشرة على مجرى الليطاني وعلى القرى الجنوبية المقابلة.
وكانت المقاومة أحبطت في 28 أذار/مارس الماضي محاولة اسرائيلية مماثلة للتمركز على ضفة نهر الليطاني في منطقة بيدر الفقعاني شمال شرق الطيبة، وشنت المقاومة حينها هجوما واسعا أجبر الجيش الاسرائيلي على الانسحاب تاركا خلفه معدات هندسية وقتالية، في مشهد وثقته المقاومة.