فشل بري للعدو في الجنوب.. بنت جبيل تتحول إلى نموذج لاستنزاف قواته رغم سريان وقف إطلاق النار

دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ من دون أن يتمكن العدو من تحقيق أهدافه البرية، إذ فشل في احتلال مدينة بنت جبيل الواقعة على بعد أربعة كيلومترات فقط من الحدود، كما عجز عن ربط قطاعات الجنوب الثلاثة: الغربي والأوسط والشرقي.


ولم تتمكن قواته من التقدم نحو بلدتي حداثا ووادي السلوقي، بالتوازي مع إخفاقها في الوصول إلى نهر الليطاني أو وادي الحجير، فيما بقيت مدينة الخيام خارج السيطرة، مع تموضع ثابت لقوات حزب الله في شمالها.

وعلى محور حي تل العوينة في بنت جبيل، المؤدي إلى «ملعب التحرير» على مسافة 200 متر، أخفقت قوات العدو في تحقيق أي تقدم يُذكر، رغم كثافة القصف الجوي والمدفعي، واستعانتها بآليات مسيّرة. وخلال اليومين الماضيين، نفّذ المقاومون هجمات مباشرة ضد قوات العدو داخل المدينة، في مؤشر واضح على استمرار الجاهزية القتالية والقدرة على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، رغم كثافة الضربات الجوية والمدفعية، بما يؤكد أن الوحدات المقاتلة تعمل ضمن منظومة قيادة وسيطرة متصلة، من دون انقطاع أو عزل عن القيادة المركزية.

وخلال الأيام الأخيرة، ترسّخت معركة بنت جبيل كنموذج قتالي متكامل، عكس فشل محاولة الاختراق البري لجيش العدو، مقابل نجاح المقاومة في فرض معادلة «المنع والاستنزاف». وتشير المعطيات الميدانية إلى عجز قوات الاحتلال عن تحقيق هدفها المُقلّص، والمتمثل بالسيطرة على ملعب المدينة، رغم كثافة النيران والضغط العملياتي المستمر.

وحتى مساء أمس، لم تُظهر الخرائط أي تمركزات مستحدثة لجيش الاحتلال داخل بنت جبيل، بل سُجّل انسحاب من مواقع كان قد تقدم إليها سابقاً، مع حفاظه على حضور مرصود في بعض النقاط، لا سيما شرق السوق ومحيط مدرسة «جميل جابر»، إضافة إلى تحركات محدودة باتجاه السوق.

كما رُصد تمركز محدود في منطقة «خلة المشتا» جنوب غرب المدينة، إلا أن هذه النقاط بقيت مكشوفة وتحت الاستهداف، ما أفقدها أي قيمة عملياتية مستقرة. وعلى الجبهة الغربية والجنوبية، بدت تمركزات العدو في محيط عين إبل شبه خالية، فيما خلت محاور يارون ومارون الراس من أي وجود فعلي.

وأسهم تكرار استهداف المدرعات، منذ العاشر من الشهر الجاري، إلى جانب ضرب مواقع حساسة مثل تلة شمران ومثلث التحرير ومحيط مدرسة الإشراق، في كسر الاندفاعة الأولى للهجوم، ومنع العدو من تثبيت أي موطئ قدم.

وبالتوازي مع المسار الميداني، برز تزامن لافت بين التصعيد العسكري والمسار السياسي، إذ رفعت المقاومة وتيرة عملياتها على امتداد الجبهة بالتزامن مع انعقاد لقاء التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة، بما يعكس ترابط القرارين العسكري والسياسي.

وفي داخل بنت جبيل، لم يقتصر التصعيد على القصف، بل شمل تنفيذ عمليات هجومية مباشرة من داخل المدينة، بما فيها كمائن واشتباكات من مسافات قريبة.

وتركّز ثقل المواجهة في الأيام الأخيرة في حي العوينة، حيث خاض جيش العدو قتالاً عنيفاً نظراً لأهمية هذا المحور، إلا أن الوقائع الميدانية أظهرت عجزاً واضحاً عن تحقيق أي اختراق، إذ لم تتمكن قواته من التقدم لمسافات تُذكر، رغم كثافة القصف والزخم القتالي، كما فشلت في الوصول إلى قلب المدينة أو عزل المقاتلين أو السيطرة على معالمها الحيوية، وفي مقدمتها السوق، والملعب، والمسجد الكبير، والبركة، والمجمع الديني من جهة يارون.

وانزلقت المعركة نحو نمط استنزاف طويل الأمد، حيث اصطدمت كل محاولة تقدم للعدو بجدار ناري كثيف، وتحول كل تموضع إلى هدف مباشر. وفي هذا السياق، فرضت المقاومة إيقاع الاشتباك، بحيث لا تقدم من دون كلفة عالية، ولا استقرار ميداني من دون مخاطرة دائمة، في ظل مؤشرات على وجود بنية تحتية قتالية مجهزة مسبقاً، مع استمرار التواصل بين المقاتلين وغرفة العمليات من دون انقطاع.

وفي المحصلة، لم تعد بنت جبيل مجرد ساحة اشتباك، بل تحولت إلى نموذج ميداني مكتمل يقوم على ثلاثية واضحة: منع التوغل، تفكيك القوة المهاجمة، واستنزافها تحت نار متواصلة.

تم نسخ رابط الخبر