مهرجان فجر السينمائي الـ44: السينما الإيرانية تستحضر حرب غزة في فيلم "أرض الملائكة"

في ظل أجواء سينمائية تتسم بالتوترات السياسية والاجتماعية، انطلقت فعاليات الدورة الرابعة والأربعين من مهرجان فجر السينمائي الدولي في العاصمة الإيرانية طهران في الفترة من 1 إلى 11 فبراير 2026. ويزخر المهرجان، الذي يُعدّ من أعرق التظاهرات السينمائية في الشرق الأوسط، بعروض من داخل إيران وخارجها تُعالج قضايا إنسانية واجتماعية بارزة، وسط نقاشات متواصلة حول دور السينما كمنبر للواقع والتعبير الفني.

ويقام مهرجان فجر سنويًا منذ أوائل الثمانينيات بالتزامن مع ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، ويشهد في دورته الحالية مشاركة أكثر من 30 فيلمًا روائيًا من إيران وعدد من الدول، ضمن أقسامه المختلفة، ما يعزز مكانته كمنصة رئيسية للسينما الإيرانية والعالمية، بحضور مخرجين ومنتجين وممثلين ونقاد من مختلف الدول.

من بين أبرز الأعمال التي عُرضت في دورة هذا العام، فيلم "أرض الملائكة" (سرزمین فرشته‌ها / The Land of Angels)، الذي اختير ضمن القسم الرسمي للمسابقة في مهرجان فجر السينمائي الـ44، وهي مسابقة شهدت حضورا لافتا لأعمال ذات طابع اجتماعي وسياسي وإنساني واضح.
الفيلم من كتابة وإخراج المخرج الإيراني بابك خواجة باشا، وإنتاج منوجهر محمدي، وقد عُرف في مراحله الأولى باسم "ريم"، قبل أن يتم تغيير عنوانه إلى "أرض الملائكة" عند تقديمه رسميًا للمهرجان.
 


يركز الفيلم على أطفال فلسطين في قطاع غزة الذين يتربّون في سياق حرب طويلة أعقبت أحداث 7 أكتوبر، ولا تزال مستمرة منذ أكثر من عامين. ومن خلال أسلوب سردي هادئ وبسيط، يقدم العمل صورة إنسانية عن الأطفال والنساء الذين يعيشون بين الخراب والخوف والانتظار، مع تمسكهم بالأمل والحياة والمعجزات الصغيرة وسط واقع قاسٍ.

ويبتعد الفيلم عن مشاهد العنف المباشر، مفضلًا التركيز على الأثر النفسي والعاطفي للحرب على الجيل الأصغر، عبر تفاصيل يومية ولحظات صامتة تُبرز وجهة نظر الطفل ببراءة واحترام، وتمنح الصورة السينمائية عمقًا إنسانيًا يتجاوز المباشرة والشعارات.

يلقي الفيلم الضوء على أداء الممثلة السورية سلاف فواخرجي في دور البطولة، حيث تجسد شخصية "ضحى"، أم صامدة تتحمل تبعات الحرب وتحاول حماية أطفالها من قسوة الواقع، بحثًا عن بصيص أمل وسط الدمار. ويعد هذا العمل أول ظهور سينمائي إيراني كبير لفواخرجي، التي عبّرت عن فخرها بالمشاركة في تجربة تمزج بين البعد الإنساني والرؤية الفنية العميقة.

ويشارك إلى جانب فواخرجي مجموعة من الممثلين الأطفال من جنسيات عربية (سوريا ولبنان) وإيرانية، في محاولة لخلق حالة من التقاطع الثقافي، وتقديم أداء طبيعي يعكس صدق التجربة الإنسانية كما يراها الأطفال في زمن الحرب.

وعقب العرض الرسمي للفيلم ضمن فعاليات المهرجان، جرى تكريم الممثلة سلاف فواخرجي تقديرًا لأدائها ودورها الإنساني في العمل. كما شهد العرض حضور ومتابعة عمدة طهران علي رضا زاكاني ورئيس مجلس بلديات طهران مهدي شمران، في خطوة عكست الاهتمام الرسمي بالرسائل الفنية والإنسانية التي يطرحها الفيلم.

وقد لاقى الفيلم تفاعلًا لافتًا من الجمهور خلال عرضه، وسط إشادات بأسلوبه الهادئ وقدرته على مقاربة قضية شديدة الحساسية من زاوية إنسانية بعيدة عن المباشرة، وفق ما أشار إليه عدد من المتابعين والنقاد.

يُعرض "أرض الملائكة" في سياق فني وسياسي معقّد، إذ أثارت مشاركة الفيلم، وما يتناوله من موضوعات حساسة، ردود فعل متباينة في الأوساط الفنية والإعلامية، لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي في بعض الدول العربية، حيث تجاوز الجدل الإطار الفني ليشمل أبعادًا سياسية وشعبية أوسع.

ويقدّم الفيلم، في هذا الإطار، إضافة نوعية إلى سرديات السينما المعاصرة حول الحرب وآثارها النفسية والاجتماعية، مطروحًا تساؤلات حول دور الفن في توثيق المأساة الإنسانية، وقدرته على بناء جسور تواصل تتجاوز الجغرافيا والسياسة والصور النمطية.

من خلال مشاركته في مهرجان فجر السينمائي الدولي الـ44، يرسخ فيلم "أرض الملائكة" حضوره كعمل سينمائي إنساني يعالج معاناة أطفال غزة في زمن الحرب، معتمدًا على سرد بصري هادئ وأداء مؤثر، ليقدّم صورة موجعة، لكنها مشبعة بالأمل والإصرار على الحياة والكرامة الإنسانية.

تم نسخ رابط الخبر