
في وقتٍ تتواصل فيه الاحتجاجات في عدد من المدن الإيرانية على خلفيات اقتصادية ومعيشية، يبرز العامل الإسرائيلي بوصفه أحد أكثر الأبعاد إثارة للجدل في مقاربة هذه التطورات.
فبينما تَعرض وسائل الإعلام العبرية المشهد الإيراني بلغة دراماتيكية تتحدث عن “بداية نهاية النظام”، تكشف المتابعات الأمنية والاستخبارية في تل أبيب عن قراءة أكثر حذرًا، يقابلها نشاط غير معلن يسعى إلى استثمار ما يجري داخل إيران سياسيًا ونفسيًا.
التغطية الإسرائيلية للاحتجاجات لم تقتصر على التحليل الإعلامي، بل امتدت إلى الخطاب السياسي الرسمي.
فقد عبّر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن تفاؤله بإمكانية أن يكون الشارع الإيراني أمام “لحظة تقرير مصير”، في تصريحات عكست رغبة إسرائيلية قديمة برؤية خصمها الإقليمي الأبرز يواجه أزمة داخلية عميقة.
لكن خلف هذا الخطاب العلني، تدور في تل أبيب نقاشات أقل حماسة. فوفق تقديرات أمنية إسرائيلية، تختلف الاحتجاجات الحالية عن موجات سابقة، أبرزها احتجاجات عام 2022، من حيث الدوافع، إذ يغلب عليها الطابع الاقتصادي المرتبط بارتفاع تكاليف المعيشة، من دون قيادة مركزية أو برنامج سياسي موحد قادر على تحويل الغضب الشعبي إلى حركة منظمة تهدد بنية النظام.
لا تُخفي "إسرائيل" قلقها من سيناريو موازٍ، يتمثل في احتمال لجوء طهران إلى تصعيد خارجي لصرف الأنظار عن أزمتها الداخلية. هذا القلق انعكس بوضوح في الداخل الإسرائيلي، حيث انتشرت شائعات عن حرب وشيكة، أو عن ضربة إسرائيلية محتملة للمنشآت النووية أو الصاروخية الإيرانية، ما جعل الملف الإيراني يتصدر النقاش العام الإسرائيلي على نحو غير مسبوق مقارنة بموجات احتجاج سابقة.
رغم ذلك، يؤكد خبراء إسرائيليون أن النظام الإيراني لم يُظهر حتى الآن أي علامات تفكك حقيقية. فالمؤسسات الأمنية والدينية ما زالت متماسكة، ولا مؤشرات على انقسام داخلي أو هروب للنخب الحاكمة، كما حصل في أواخر عهد الشاه.
وفي هذا السياق، اعتبر رئيس مركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب، البروفيسور مئير ليتفاك، أن الحديث الإعلامي عن احتمال هروب المرشد الإيراني علي خامنئي “أقرب إلى التمنيات منه إلى الوقائع”.
اللافت أن التدخل الإسرائيلي لم يبقَ في إطار التقدير والتحليل.
فعلى الرغم من توجيه نتنياهو تعليمات رسمية بعدم التعليق العلني على ما يجري في إيران، شهدت الساحة الإسرائيلية تسريبات وتصريحات غير مباشرة، بعضها نُسب إلى جهاز “الموساد”، إلى جانب نشاط ملحوظ على وسائل التواصل الاجتماعي، شمل حسابات ناطقة بالفارسية، هدفت إلى تضخيم صورة الانهيار وتشجيع الإيرانيين على مواصلة الاحتجاج.
في المحصلة، تكشف المقاربة الإسرائيلية للاحتجاجات الإيرانية عن فجوة واضحة بين الرغبة السياسية والواقع الميداني. فبينما يُسوّق الخطاب الإعلامي والسياسي في تل أبيب لفكرة قرب سقوط النظام، تتمسك النخبة الأمنية بتقدير أكثر تحفظًا، يرى أن إيران تمر بأزمة حقيقية لكنها لا تزال بعيدة عن الانهيار، مع استمرار محاولات إسرائيلية حثيثة للتأثير في مسار الأحداث، ولو من خلف الستار.
