
على امتداد الطريق الصحراوي الطويل المؤدي إلى أقصى الشرق الإيراني، حيث تمتد الأرض الجافة وتختلط الرياح الحارة بغبار الحدود، توقفت حافلة الوفد الإعلامي عند معبر ميلك الحدودي، آخر نقطة رسمية لعبور المهاجرين الأفغان من الأراضي الإيرانية إلى وطنهم. هنا، عند هذه النقطة الجغرافية الحساسة، لا تنتهي فقط الطرق، بل تنتهي أيضا فصول طويلة من حياة آلاف العائلات الأفغانية التي عاشت سنوات، وأحيانا عقودا، داخل إيران.
ضمن جولة إعلامية ميدانية نظمتها الجهات الرسمية، زار عدد من الصحفيين الأجانب، من بينهم فريق وكالة يونيوز في إيران، محطة خروج المهاجرين الأفغان في معبر ميلك، الواقع في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي إيران، للاطلاع عن قرب على واقع عودة المهاجرين، وآلية مغادرتهم، والخدمات الإنسانية المقدمة لهم في آخر محطة داخل البلاد.
آخر محطة… إجراءات سريعة ووجوه مثقلة بالانتظار
منذ الساعات الأولى للوصول إلى المعبر، كان المشهد إنسانياً بامتياز، عائلات تجلس في الظل المحدود الذي توفره المباني المؤقتة، أطفال يحملون أوراقهم وألعابهم القليلة، رجال ونساء يحدقون نحو البوابة الحدودية، حيث تبدأ أفغانستان، وينتهي مشوار طويل داخل إيران.
بحسب المسؤولين، يعد معبر ميلك أحد معبرين رسميين فقط لخروج المواطنين الأفغان من إيران، وتُستكمل فيه جميع الإجراءات النهائية، من تسجيل البيانات البيومترية، والتدقيق في الملفات، وحتى تنظيم العبور إلى الجانب الأفغاني.
513 ألف مغادر منذ بداية العام
في حديث خاص لفريق وكالة يونيوز، قال المدير العام لشؤون الأجانب والمهاجرين في محافظة سيستان وبلوشستان، هوشنغ بامري، إن معبر ميلك يشكل أحد أهم المنافذ الحدودية لخروج المهاجرين الأفغان، موضحا أن جميع العمليات النهائية تتم داخل هذه المحطة.
وأضاف بامري أن المهاجرين الذين يصلون إلى ميلك ينقسمون إلى فئتين:
فئة جرى رصدها وتسجيلها مسبقا في مخيمات بمحافظات إيرانية أخرى، ثم نُقلت إلى مدينة زاهدان قبل توجيهها إلى المعبر. وفئة أخرى راجعت المعبر من تلقاء نفسها، واتخذت قرار المغادرة طوعاً.
وأوضح أن هؤلاء يخضعون لتوقف قصير فقط لاستكمال التسجيل النهائي، ثم يغادرون البلاد في أسرع وقت ممكن، دون تأخير أو تعقيدات إجرائية.
وبحسب الإحصاءات الرسمية، فقد غادر نحو 513 ألف مهاجر أفغاني عبر معبر ميلك منذ بداية العام الايراني الحالي، وهو رقم يمثل قرابة ثلث إجمالي المغادرين الأفغان من إيران خلال هذه الفترة. وتشير البيانات إلى أن نحو 75 في المئة من هؤلاء غادروا طوعا بعد مراجعة ذاتية.
بين التوقيف والترحيل الإداري
وحول أوضاع الموقوفين، ذكر بامري أن على مسافة تقارب كيلومترين من المعبر، يوجد عدد من المهاجرين الذين تم توقيفهم، سواء داخل محافظة سيستان وبلوشستان أو في محافظات أخرى، إضافة إلى حالات توقيف على الحدود، معظمها لأشخاص دخلوا البلاد من جهة باكستان بطرق غير شرعية.
وبيّن أن هؤلاء يُنقلون إلى مخيم الغدير لاستكمال الإجراءات القانونية، قبل إرسالهم إلى معبر ميلك لإنهاء عملية الخروج.
وأشار إلى أن غالبية الحالات المسجلة تتعلق بتوقيفات حدودية، وليس بحملات داخل المدن فقط.
أرقام الذروة والانخفاض
خلال ذروة الصيف، شهد المعبر ضغطاً غير مسبوق، حيث وصل عدد المغادرين يوميا إلى نحو 2000 شخص، وفي بعض الأيام الاستثنائية تجاوز العدد 13 ألف مغادر في اليوم الواحد.
أما في الأيام العادية، فيتراوح عدد المغادرين حاليا بين 1000 و1500 شخص يومياً.
في المقابل، سجّل المسؤولون انخفاضا حادا في أعداد العودة الطوعية داخل المحافظة، حيث لا يتجاوز عددها حاليا بين 15 و50 شخصا يوميا.
الخدمات الإنسانية… محاولة لتخفيف ثقل الرحيل
في إحدى الزوايا القريبة من صالة الانتظار، كان الأطفال يرسمون على أوراق بيضاء، فيما تجلس أمهاتهم إلى جانب فرق الدعم النفسي. هنا، تعمل مؤسسة “كُنشغران" لتنمية الفرد الدولية، التي حضرت ضمن الجولة الإعلامية لتوضيح طبيعة عملها في المعبر.
وقالت المديرة القطرية للمؤسسة مونا رحماني، إن المنظمة تعمل منذ أكثر من 25 عاما في مجال دعم المهاجرين واللاجئين، ولها حضور نشط في 11 محافظة إيرانية، مؤكدة أن فرقها متواجدة حاليا في معبر ميلك بشكل دائم.
وأضافت أن مغادرة إيران بالنسبة لكثير من الأفغان الذين عاشوا فيها سنوات طويلة ليست قرارا سهلا، خاصة في ظل الغموض الذي يحيط بمستقبلهم في أفغانستان، إلا أن الارتباط بالأرض والهوية يدفع كثيرين إلى العودة رغم كل الصعوبات.
وتقدم المؤسسة في المعبر حزمة متكاملة من الخدمات الإنسانية التي تركز على الدعم النفسي والاجتماعي للمغادرين، مع اهتمام خاص بالأطفال عبر برامج صديقة توفر لهم مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرهم من خلال الرسم واللعب. كما تشمل الخدمات رعاية صحية أساسية للنساء الحوامل والفئات الأكثر هشاشة، مع توفير نظام تنسيق فعال مع جمعية الهلال الأحمر لنقل الحالات الطارئة بسيارات الإسعاف إلى المراكز الطبية المختصة.
وإلى جانب الإرشاد الأسري حول سبل التواصل المستقبلي بعد العودة إلى أفغانستان، أكدت السيدة رحماني على عمق الروابط التاريخية والإنسانية بين الشعبين الأفغاني والإيراني، مشددة على أن وشائج القربى بينهما تظل عصية على الانفصال رغم سنوات الحرب والتحديات.
من 2021 إلى اليوم… استجابة مستمرة
وأوضحت رحماني أن المؤسسة عززت فرقها منذ عام 2021، خاصة في فترات الضغط الكبير، وقدمت خدمات على مدار الساعة في معبر ميلك، والمخيم القديم، ومركز الغدير.
وأضافت: "كما حاولنا عام 2021 أن نوفر شعور الأمان والترحيب للقادمين، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نرافقهم في رحلة العودة، بكرامة ودعم إنساني كامل".
المهاجرون يتحدثون… قرار صعب لكنه طوعي
في أحاديث جانبية أجراها فريق وكالة يونيوز مع عدد من المهاجرين الأفغان، أكد معظمهم أنهم اتخذوا قرار العودة بمحض إرادتهم، بعد مراجعة ذاتية في المخيمات أو في المعبر.
وأشاروا إلى أن من أبرز أسباب العودة:
* التراجع الحاد في قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة.
* عدم امتلاك وثائق إقامة قانونية.
* الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة خلال الأشهر الأخيرة.
* صعوبات الحياة اليومية وعدم الاستقرار الوظيفي.
ورغم مرارة الرحيل، عبّر كثيرون عن أملهم في أن تكون العودة بداية جديدة، مهما كانت قاسية.
تكشف الجولة الإعلامية في معبر ميلك الحدودي عن مشهد إنساني معقد، تتقاطع فيه السياسة والاقتصاد والهجرة، في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المنطقة. وبين إجراءات الخروج السريعة، والخدمات الإنسانية، وقرارات العودة الصعبة، يبقى هذا المعبر شاهدا على قصص آلاف الأفغان الذين يطوون صفحة طويلة من حياتهم، ويعبرون نحو المجهول… لكن بكرامة.
